حسن حسني عبد الوهاب

49

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

وحرّضني على طلب العلم والتزم القيام بشأني من يومئذ " . وروى أبو العباس الإبّياني التونسي : " 1 " أن محمد بن عبدوس - المتوفى سنة 260 ه 874 م - أقام سبع سنين يدرس العلم ولا يخرج من داره إلا لصلاة الجمعة . ذكّرني هذا الخبر ما رواه الخشني في ترجمة أبي جعفر أحمد بن شهرين القيرواني فإنه قال : قلت يوما لشيخي أبي العباس بن زرزر : أخبرني بدواء للحفظ ، فقال لي : أو ما عرفته ؟ قلت : ما أعرفه - فقال : الدرس بالليل ، والمناظرة بالنهار ! " . ومن هذه الأخبار المروية يتضح لك عناية أبناء إفريقية بالتعلم في العهد الأول للإسلام ، وإقبالهم على تقييد مروياتهم وإثباتها في كراريس الرقوق لتكون عونا لهم - ولنا من بعدهم - على مراجعة معلوماتهم ، ومما ثبت عن سحنون في هذا المعنى أنه كان يقول : " العلم صيد * والكتابة قيد " وبمناسبة ذكر الإمام سحنون ، فقيه إفريقية بلا مدافع ، نقول إنه لم يكن له من الولد سوى ابنه محمد ، اعتنى بتربيته وتأديبه وتعليمه حتى كان من شأنه أن فاق أقرانه . وقد نقل الخشني أن سحنون كان يقول لمعلم ابنه لما كان صبيا : " لا تؤدّبه إلا بالمدح ولطف الكلام ، ليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف ، وإني أرجو أن يكون نسيج وحده ، واتركه على نحلتي " " 2 " . قال سحنون ذلك لما كان يلوح على ابنه من مخائل الفطنة والاستعداد الفطري . ولنعد إلى ما كنا بصدده من تتبع طرق التعليم في هذا العصر وقد ذكرنا أنباء من طرائقه في المجتمع الإفريقي وخاصة في البيئة القيروانية ، ولم نتعرض لعناية الطبقة الأرستقراطية بالتعلم ، ولا سيما انتشاره بين أبناء الأمراء ورجال الدولة وذوي الأقدار والمقامات .

--> ( 1 ) المدارك 1 : 249 [ 4 : 225 ] . ( 2 ) معالم الإيمان 2 : 80 [ 2 : 124 ] .